السعيد شنوقة
409
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
لأنه هو الذي أقدره ومكّنه ، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب « 1 » . وقد نفى الأصم والزمخشري كلاهما نسبة الإغواء حقيقة إلى الله لدلالة الإغواء على الإضلال « 2 » ، وذلك انتصارا منهما لمذهبهما « 3 » . ومذهب أهل السنة أنّ الله تعالى هو الذي أضله وخلق فيه الكفر ؛ ولذلك نسب الإغواء إليه سبحانه على حقيقته لأنه عندهم لا شيء في هذا الكون إلا ومخلوق له صادر عن إرادته لا كما يرى المعتزلة في أن كل من كفر أو آمن راجع إلى أن الله فوّض أسباب ذلك إليه ، وبأن السبب الموصل إلى الإيمان هو السبب الذي يصل به الكافر إلى الكفر ، ولو كان الأمر كما رأوه لقال إبليس بقوله تعالى : فَبِما أَغْوَيْتَنِي فبما أصلحتني على أساس أن سبب الإغواء هو سبب الإصلاح ، ولكان في إخباره عن الإغواء إخبار عن الإصلاح غير أنه لما كان سببهما مختلفين وكان السبب الذي به غوى وهلك أو أضلّ من عند الله أضاف ذلك إليه « 4 » فقال : فَبِما أَغْوَيْتَنِي الآية . وينتصر الزمخشري لمعتقد المعتزلة الذي يثبت للعقل وظيفة أساسية في وضع مقاييس الأحكام على الحسن والقبح ولم يقصروا وظيفته في هذه الأمور على كشفها ، وإنما جعلوا أحكامها فيها واجبة بالعقل ؛ وفي هذا ذكر الشهرستاني أنّ النظّام « قال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال » « 5 » لذا قال في قوله تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [ الأعراف : 20 ] : « وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه لم يزل مستهجنا في الطباع ومستقبحا في العقول » « 6 » . ولئن جاز ذهاب السني إلى أن
--> ( 1 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 162 . ( 2 ) انظر ابن منظور ، لسان العرب مادة ( غوى ) ، ج 15 ، ص ، 141 وذكر قبله بمعنى الإهلاك ومنه قوله عز وجل : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [ مريم : 59 ] . أي هلاكا ، ذكره ابن الأنباري . انظر ابن الجوزي ( عبد الرحمن بن علي ( ت 597 ه ) زاد المسير في علم التفسير ، ج 3 ، ص 175 . ( 3 ) انظر الكشاف ، ج 2 ، ص 69 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري ، ج 8 ، ص 134 ، وتفسير القرطبي ، ج 7 ، ص ، 175 والزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 4 ، ص 403 . ( 5 ) الملل والنحل ، ج 1 ، ص 72 . ( 6 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 72 .